محمد جمال الدين القاسمي
438
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ليسوا متفقين على صلب المسيح . ولم يشهد أحد منهم صلبه . فإن الذي صلب إنما صلبه اليهود . ولم يكن أحد من أصحاب المسيح حاضرا . وأولئك اليهود الذين صلبوه قد اشتبه عليهم المصلوب بالمسيح . وقد قيل إنهم عرفوا أنه ليس هو المسيح . ولكن هم كذبوا وشبهوا على الناس . والأول هو المشهور وعليه جمهور الناس . وحينئذ فليس عند النصارى خبر عمن يصدقونه بأنه صلب . لكن عمدتهم على ذلك ، الشخص الذي جاء الشيطان بعد أيام وقال . أنا المسيح . وذاك شيطان . وهم يعترفون بأن الشياطين كثيرا ما تجيء ويدّعي ( كذا ) إنه نبيّ أو صالح . ويقول . أنا فلان النبيّ والصالح . ويكون شيطانا . وفي ذلك حكايات متعددة مثل حكاية الراهب الذي جاءه جاء وقال : أنا المسيح . جئت لأهديك . فعرف أنه الشيطان . فقال . أنت قد بلغت الرّسالة ونحن نعمل بها . فإن جئت اليوم بشيء يخالف ذلك لم نقبل منك . فليس عند النصارى واليهود علم بأن المسيح صلب . كما قال تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [ النساء : 157 ] . وأضاف الخبر عن قتله ، إلى اليهود بقوله : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ [ النساء : 157 ] ، فإنهم بهذا الكلام يستحقون العقوبة . إذ كانوا يعتقدون جواز قتل المسيح . ومن جوز قتله فهو كمن قتله . فهم في هذا القول كاذبون . وهم آثمون . وإذا قالوه فخرا لم يحصل لهم الفخر . لأنهم لم يقتلوه . وحصل الوزر لاستحلالهم ذلك وسعيهم فيه . وقد قال النبيّ « 1 » صلى اللّه عليه وسلم : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . قالوا : يا رسول ! فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه . وقوله : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ : قيل هم اليهود والنصارى . والآية تعم الطائفتين . وقوله : لَفِي شَكٍّ مِنْهُ . من قتله . وقيل : منه ، أي : في شك منه . هل صلب أم لا ؟ كما اختلفوا فيه . فقالت اليهود : هو ساحر . وقالت النصارى : إنه إله . فاليهود والنصارى اختلفوا هل صلب أم لا ؟ وهم في شك من ذلك ما لهم به من علم . فإذا كان هذا في الصلب فكيف في الذي جاء بعد الرفع وقال إنه هو المسيح ؟
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 22 - باب المعاصي من أمر الجاهلية ، ولا يكفّر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك ، حديث 29 ونصه : عن الأحنف بن قيس قال : ذهبت لأنصر هذا الرجل . فلقيني أبو بكرة فقال : أين تريد ؟ قلت : أنصر هذا الرجل . قال : ارجع . فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار » فقلت : يا رسول الله ! هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : « إنه كان حريصا على قتل صاحبه » .